أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
67
عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ
تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ « 1 » قيل : معناه : ولا تجعلوه معرّضا لها ومعدّا لأنّ ذلك يشعر بقلّة المبالاة ، من قولك : هذا بعير عرضة للسّفر « 2 » . وأنشد لعبد اللّه بن الزّبعرى : [ من الطويل ] فهذي لأيام الحروب وهذه * للهوي وهذي عرضة لارتحاليا وقال المبرد : العرضة : الاعتراض في الخير والشرّ . يقول : لا تعترضوا باليمين في كلّ ساعة أن لا تبرّوا ولا تتّقوا . وقيل : لا تجعلوه معترضا بينكم وبين فعل البرّ ، وذلك أنّ الرجل يحلف ألا يفعل الخير ولا يبرّ فلانا فيجعل الايمان معترضة بين فعله الخير وبينه . وقيل : هي المنع ، أي : لا تجعلوه مانعا لكم من البرّ والتّقوى . ويدلّ عليه الحديث : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفّر عن يمينه وليأت الذي هو خير » « 3 » وقد أتقنّا هذه المسألة وأوسعنا فيها العبارة إحكاما وإعرابا وتفسيرا في « القول الوجيز » و « الدرّ النّظيم » وغيرهما ولله الحمد والمنّة . وقوله تعالى في موضع : « عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » « 4 » وفي موضع آخر : كَعَرْضِ « 5 » . فصرّح بحرف التشبيه لما بينّاه في غير هذا . قال بعضهم « 6 » : أراد بالعرض في الموضعين الذي هو خلاف الطول . قال : وتصوّر ذلك على أحد وجوه : إمّا أن يريد به أن « 7 » يكون عرضها في السماء الأخيرة كعرض السماوات والأرض في النشأة الأولى ، وذلك أنه قد قال : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ « 8 » قال : فلا يمتنع أن تكون « 9 » السماوات والأرض في النشأة الأخيرة أكبر مما هي الآن . وروي أن يهوديا سأل عمر رضي اللّه تعالى عنه عن هذه الآية وقال : فأين النار ؟ فقال عمر : فإذا جاء الليل فأين
--> ( 1 ) 224 / البقرة : 2 . ( 2 ) أي يجعل معرّضا له . ( 3 ) النهاية : 1 / 425 . ( 4 ) 133 / آل عمران : 3 . ( 5 ) 21 / الحديد : 57 . ( 6 ) يعني الراغب ( المفردات : 330 ) . ( 7 ) في الأصل : أنه . ( 8 ) 48 / إبراهيم : 14 . ( 9 ) في الأصل : تكون في ، فأسقطنا الحرف الزائد .